صديق الحسيني القنوجي البخاري
117
فتح البيان في مقاصد القرآن
يحصي ليراجع وينفق أو يقطع ويسكن أو يخرج ويلحق نسبه أو يقطع . وهذه كلها أمور مشتركة بينه وبين المرأة ، وقيل : أمر بإحصاء العدة لتفريق الطلاق على الإقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثا . وقيل : للعلم ببقاء زمان الرجعة ومراعاة أمر النفقة والسكنى . وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ في تطويل العدة عليهن والإضرار بهن وفي وصفه تعالى بربوبيته لهم تأكيد للأمر ، ومبالغة في إيجاب الاتقاء لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ أي التي كن فيها عند الطلاق ما دمن في العدة وأضاف البيوت إليهن وهي لأزواجهن لتأكيد النهي وبيان كمال استحقاقهن للسكنى في مدة العدة ومثله قوله : وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ [ الأحزاب : 34 ] وقوله : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [ الأحزاب : 33 ] ثم لما نهى الأزواج عن إخراجهن من البيوت التي وقع الطلاق وهن فيها نهى الزوجات عن الخروج أيضا فقال : وَلا يَخْرُجْنَ من تلك البيوت ما دمن في العدة إلا لأمر ضروري كما سيأتي بيان ذلك ، قال أبو السعود : ولو بإذن من الأزواج فإن الإذن بالخروج في حكم الإخراج ، وقال الخطيب : لأن في العدة حقا للّه تعالى ، فلا يسقط بتراضيهما ، وقيل : المراد لا يخرجن من أنفسهن إلا إذا أذن لهن الأزواج فلا بأس ، والأول أولى ، وهذا كله عند عدم العذر ، أما إذا كان لعذر كشراء من ليس لها على المفارق نفقة فيجوز لها الخروج نهارا ، قاله الخطيب ، وإذا خرجت من غير عذر فإنها تعصي ولا تنتقض عدتها قاله القرطبي . إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ بفتح الياء وكسرها سبعيتان ، وهذا الاستثناء هو من الجملة الأولى ، قال الواحدي : أكثر المفسرين على أن المراد بالفاحشة هنا الزنا ، وبه قال ابن عباس : وذلك أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها ، ثم ترد إلى منزلها ، وقال الشافعي وغيره : هي البذاء في اللسان والاستطالة بها على من هو ساكن معها في ذلك البيت ، وعن ابن عباس : الفاحشة المبينة أن تبذو المرأة على أهل الرجل ، فإذا بذت عليهم بلسانها فقد حل لهم إخراجها لسوء خلقها ، ويؤيد هذا ما قال عكرمة : إن في مصحف أبيّ إلا أن يفحشن عليكم ، وقيل : الاستثناء من الجملة الثانية للمبالغة في النهي عن الخروج ببيان أن خروجها فاحشة قال الشوكاني رحمه اللّه : هو بعهد ، قال ابن عمر : خروجها قبل انقضاء العدة من بيتها هي الفاحشة المبينة ، وقيل : الفاحشة النشوز . وَتِلْكَ أي ما ذكر من الأحكام وما في اسم الإشارة من معنى البعد مع القرب العهد المشار إليه للإيذان بعلو درجتها وبعد منزلتها حُدُودُ اللَّهِ يعني أن هذه الأحكام التي بينها لعباده هي حدوده التي حدها لهم لا يحل لهم أن يتجاوزها إلى غيرها ، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ أي يتجاوزها إلى غيرها أو يخل بشيء منها .